الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
8
مختصر الامثل
« النطفة » : في الأصل بمعنى الماء القليل ، أو الماء الصافي ، ثم أطلقت على قطرات الماء التي تكون سبباً لوجود الإنسان بعد تلقيحها . وحقيقة التعبير يراد به تبيان عظمة وقدرة اللَّه عزّ وجل ، حيث يخلق هذا المخلوق العجيب من قطرة ماء حقيرة مع ما له من قيمة وتكريم وشرف بين باقي المخلوقات وعند اللَّه أيضاً . ثم يشير القرآن الكريم إلى نعمة خلق الحيوانات وما تدر من فوائد كثيرة للإنسان فيقول : « وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ » . فخلق الأنعام الدال على علم وقدرة الباري سبحانه ، فيها من الفوائد الكثيرة للإنسان . ولم يكتف بذكر منافعها المادية ، بل أشار إلى المنافع النفسية والمعنوية كذلك حين قال : « وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ » . « تريحون » : ( من مادة الإراحة ) بمعنى إرجاع الحيوانات عند الغروب إلى محل إستراحتها ، ولهذا يطلق على ذلك المحل اسم ( المراح ) . و « تسرحون » : ( من مادة السروح ) بمعنى خروج الحيوانات صباحاً إلى مراعيها . عبّر القرآن بكلمة « جمال » عن تلك الحركة الجماعية للأنعام حين تسرح إلى مراعيها وتعود إلى مراحها . ف « الجمال » جمال استغناء واكتفاء ذاتي ، وجمال إنتاج وتأمين متطلبات امّة كاملة ، وبعبارة أوضح : جمال الاستقلال الاقتصادي وقطع كل تبعيّة للغير . ثم يشير تعالى في الآية التي تليها إلى إحدى المنافع المهمة الأخرى فيقول : « وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقّ الْأَنفُسِ » . وهذا مظهر من مظاهر رحمة اللَّه عزّ وجلّ ورأفته حيث سخّر لنا هذه الحيوانات مع ما تملك من قدرة وقوّة « إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ » . فالأنعام إذن : تعطي للإنسان ما يلبسه ويدفع عنه الحر والبرد . وكذلك تعطيه الألبان واللحوم ليتقوّت بها . وتترك في نفس الإنسان آثاراً نفسية طيبة . وأخيراً تحمل أثقاله . ثم يعرج على نوع آخر من الحيوانات ، يستفيد الإنسان منها في تنقلاته ، فيقول : « وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً » . وتأتي الإشارة في ذيل الآية إلى ما سيصل إليه مآل الإنسان في الحصول على الوسائط